ابن كثير

376

البداية والنهاية

كان شديد السمرة طويلا أصلع ذا جثة ( 1 ) وكان من فضلاء الصحابة ، وكان ممن اعتزل الفتنة واتخذ سيفا من خشب . ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين على المشهور عند الجمهور ، وصلى عليه مروان بن الحكم . وقد روى حديثا كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم . وذكر محمد بن سعد : عن علي بن محمد المدايني بأسانيده أن محمد بن مسلمة هو الذي كتب لوفد مرة كتابا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومنهم رضي الله عنهم معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي وستأتي ترجمته في أيام إمارته إن شاء الله . وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه عليه السلام . وقد روى مسلم في صحيحه : من حديث عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل سماك بن الوليد ، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال : يا رسول الله ثلاث أعطنيهن ؟ قال " نعم " ؟ قال تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين ، قال " نعم " ؟ قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك ، قال " نعم " ؟ الحديث . وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة بسبب ما وقع فيه من ذكر طلبه تزويج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن فيه من المحفوظ تأمير أبي سفيان وتوليته معاوية منصب الكتابة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه ، وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة ، فأما الحديث قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة معاوية ها هنا أخبرنا أبو غالب بن البنا ، أنبأنا أبو محمد الجوهري ، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الله العطشي ، حدثنا أحمد بن محمد البوراني ، ثنا السري بن عاصم ، ثنا الحسن بن زياد ، عن القاسم بن بهرام ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال : استكتبه فإنه أمين ، فإنه حديث غريب بل منكر . والسري بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهمذاني وكان يؤدب المعتز بالله ، كذبه في الحديث ابن خراش . وقال ابن حبان وابن عدي : كان يسرق الحديث . زاد ابن حبان ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به . وقال الدارقطني كان ضعيف الحديث وشيخه الحسن بن زياد - إن كان اللؤلؤي - فقد تركه غير واحد من الأئمة ، وصرح كثير منهم بكذبه ، وإن كان غيره فهو مجهول العين والحال . وأما القاسم بن بهرام فاثنان ، أحدهما يقال له القاسم بن بهرام الأسدي الواسطي الأعرج أصله من أصبهان ، روى له النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حديث القنوت بطوله ، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان . والثاني القاسم بن بهرام أبو حمدان قاضي هيت . قال ابن معين كان كذابا . وبالجملة فهذا الحديث من هذا الوجه ليس بثابت ولا يغتر به ، والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره - بل ومن تقدمه بدهر - كيف يورد في تاريخه هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط ثم لا يبين حالها ، ولا يشير إلى شئ من ذلك إشارة لا ظاهرة ولا خفية ، ومثل هذا الصنيع فيه نظر والله أعلم . ومنهم رضي الله عنهم المغيرة بن شعبة الثقفي ، وقد قدمت ترجمته فيمن كان يخدمه عليه

--> ( 1 ) من الاستيعاب ، وفي الأصل ذا جنة .